المغرب العربي

الحراطين في موريتانيا.. من هم وما قضيتهم؟

عشرات السنين مضت منذ أن منعت السلطات الموريتانية العبودية، إلا أن “الحراطين”، الذين يتحدرون من الرق السابقين، لا يزالون يعانون حتى اليوم من “التهميش”، وهو ما يدفعهم للمشاركة في مسيرة سنوية، للمطالبة بالحصول على حقوقهم كاملة، والاندماج تماما في نسيج المجتمع الموريتاني.

و”الحراطين” هو مصطلح يطلق على الأشخاص الذين عانوا من الرق، وهم في الغالب من أصحاب البشرة السمراء، وجزء من المكون العربي في موريتانيا، بحسب الأستاذ الجامعي، السيد ولد باه.

وكان الاثنين الماضي قد شهد مسيرة “ميثاق الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية للحراطين”، وهي مسيرة سنوية تحدث في التاسع والعشرين من أبريل، للتذكير بقضية الحراطين وحقوقهم.

يذكر أن “الميثاق من أجل الحقوق السياسية والاقتصادية والاجتماعية لشريحة لحراطين” تم الإعلان عنه في 29 أبريل 2013، عندما أعلن بعض أبناء الحراطين عن تأسيس إطار، يجمع معظم أطر هذه الشريحة بمختلف توجهاتهم السياسية، ضمن “موريتانيا الموحدة ،العادلة والمتصالحة مع نفسها”.

وفي عام 2014، تم إطلاق أول مسيرة جماهيرية للمطالبة بتطبيق هذه الوثيقة، ومنذ ذلك التاريخ، تخرج مسيرة سنوية للتذكير بمعاناة هذه الشريحة.

وشهدت موريتانيا العديد من القوانين التي تجرم الرق، بدأت عام 1905 عندما أصدر الاستعمار الفرنسي قانونا لإلغاء الرق في كل المستعمرات. وفي عام 1960 مع استقلال موريتانيا، صدر قانون لإلغاء كل مظاهر الرق أيضا.

وفي عام 1980، مع ظهور الموجة الأولى لـ”حركة الحر”، صدر قانون بإلغاء الرق، استجابة لمطالب الحركة ، ثم في عام 2018، صدر قرار بتجريم ممارسة العبودية، باعتبارها جريمة ضد الإنسانية.

ومع صدور جميع هذه القوانين التي تمنع العبودية تماما في البلاد، وهو ما أدى إلى اختفائها بالفعل إلى حد كبير، فإن “الحراطين” لا يزالون يرون أنهم محرومون من الكثير من حقوقهم السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وقال ولد باه لموقع “سكاي نيوز عربية”: “العبودية كظاهرة لم تعد موجودة، لكن الظروف الصعبة التي يعيشها الكثير من الحراطين تفرض عليهم التبعية لأسيادهم السابقين، فبالرغم من أن لا أحد يرغمهم على ذلك، فإنهم يستمرون بهذه التبعية، خاصة في ظل الروابط القوية التي قد تنشأ مع عائلات أسيادهم”.

وتابع: “العبودية ظاهرة معقدة، خاصة في موريتانيا، فبالرغم الاستغلال والظلم الذي يقع على الرق، فإنها تنشأ روابط اجتماعية وقبلية صعبة التفكك”.

من جانبه، قال الصحفي والناشط من الحراطين، عبيد ولد إميجين، لموقع “سكاي نيوز عربية”، إن أبناء الحراطين “توحدوا بسبب المعاناة التي عاشوها ولا يزالون يواجهونها”.

واستطرد قائلا: “يطالب الحراطين بحقوقهم السياسية، وبالحصول على وظائف مرموقة، وبتحسين وضعهم الاقتصادي، والمشاركة بالمجهود الثقافي والاجتماعي في موريتانيا، ولم يعد أبناؤها اليوم يقبلون بالتجاوز في حقوقهم، باعتبار الحراطين المكون الأكثر عددا من الناحية الديموغرافية”.

وأشار ولد إميجين إلى أن “وثيقة الحراطين” تؤكد أنه “لا يوجد رجل أعمال واحد من هذه الشريحة، كما أنه لم يتم منح أي مراكز كبيرة في مجال الإعلام أو الثقافة لأبنائها”، معتبرا أن التعيينات السياسية التي شملتهم كانت “شكلية”.

وأضاف: “نسبة التعيينات في الوظائف العامة والمناصب الدستورية والسياسية المهمة في البلاد، من أبناء الحراطين هي 1 في المئة، لذا يجب فتح الباب أمامهم للحصول على الحقوق السياسية وتغيير أوضاعهم البائسة”.

الحراطين.. نصف المجتمع الموريتاني
وعن عدد أبناء الحراطين في موريتانيا، قال ولد إميجين إنه لا توجد أرقام رسمية واضحة، إلا أنهم يشكلون نحو 50 في المئة من الشعب الموريتاني، أما النسبة المتبقية فتتقاسمها القبائل الأفريقية والمجتمعات العربية والأمازيغية، على حد قوله.

واعتبر الناشط الموريتاني أن الحل الأمثل لهذه القضية، هو “إشراك الحكومة للحراطين، في مختلف نواحي الحياة، دون أي تهميش أو إقصاء، وأن تكون هناك إرادة حقيقية لدى السلطات في إحداث تغيير”.

وتحدث ولد إميجين عن مؤشرات إيجابية في الآونة الأخيرة، أهمها مشاركة مرشحين للرئاسة في المسيرة يوم الاثنين الماضي، بالإضافة إلى قيام مرشح السلطة الأوفر حظا في الانتخابات المقبلة، محمد ولد الغزواني، بإرسال شخصين لتمثيله فيها، قائلا: “هذه بادرة حسنة ونأمل أن تعكس مستقبلا أفضل للحراطين”.

تحركات سياسية
وبالرغم من الصعاب التي يواجهها “الحراطين”، فإن تحركاتهم السياسية لإحداث تغيير لم تتوقف. وفي هذا الصدد قال ولد باه: “ظهرت حركات سياسية وحقوقية تطالب بإنصاف الحراطين ومنحهم الحقوق الاجتماعية التي تناسب وضعهم، لأن نسبة الفقر منتشرة بينهم بقوة، ويعانون من التهميش الاجتماعي”.

وأضاف: “هناك مجموعة من الأحزاب والجمعيات الحقوقية التي تشكلت من أجل الدفاع عن قضيتهم، وأقدمها حزب الحر، الذي تنحدر من صفوفه أغلب قيادات الحراطين. وبالرغم من أنه لم يعد قائما، فإن من تركته بعض التنظيمات والجماعات الحقوقية، أبرزها حزب التحالف الشعبي التقدمي، الذي يرأسه مسعود ولد بلخير، الذي كان رئيسا للبرلمان، وهو الآن رئيس المجلس الاقتصادي الاجتماعي، وينتمي للمعارضة المعتدلة”.

وتابع: “هناك أيضا حركة (إيرا)، التي يتزعمها بيرام ولد عبيدي، وهي حركة محظورة قانونيا، لكن ولد عبيدي تحالف مع حزب الصواب العربي، وهو نائب في البرلمان عن هذا الحزب، ومرشحه للانتخابات الرئاسية”.

من جانبه، أعرب رئيس حزب الصواب الموريتاني، عبد السلام ولد حرمة، في حديث هاتفي مع موقع “سكاي نيوز عربية”، على أمله في فوز ولد عبيد بالانتخابات الرئاسية.

وأشار إلى أن الدافع وراء التحالف الذي جرى بين حزب الصواب وبيرام ولد عبيدي، وهو رئيس مبادرة “المقاومة من أجل الانعتاق”، تعكس الرفض التام للعبودية بكل مظاهرها، وضرورة منح الحراطين جميع حقوقهم بصفتهم مواطنين موريتانيين.

المصدر
سكاي نيوز
اظهر المزيد

اترك تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى