منوعات

سبب آخر يجعل قاعة الرقص في البيت الأبيض (بشعة المنظر)

تحوّلت قاعة الاحتفالات التي يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لتشييدها في البيت الأبيض، إلى “مادة دسمة للنقاش”، إذ كشفت مجلة “ذا أتلانتيك” عن تحوّل جذري ومقلق في فلسفة المقر الرئاسي العريق.

ويرى مراقبون أن المشروع المفضل لترامب يشوِّه التصميم المعماري للبيت الأبيض، ذلك البناء الذي صُمم خصيصًا ليجسد قيم الديمقراطية والشفافية والانفتاح، بعيدًا عن مظاهر العزلة والتحصين المبالغ فيها.

فيما تتزايد المخاوف من تحوّل هذا الصرح التاريخي إلى ما يشبه “الحصن” العسكري، خاصة بعدما ضاعف ترامب وحلفاؤه من تأكيداتهم أن القاعة الجديدة تعد ضرورة قصوى لتأمين سلامة الرئيس الأمريكي.

واستندت هذه المسوغات إلى تفاصيل تقنية دقيقة، إذ تضمنت مذكرات وزارة العدل إشارات إلى “زجاج مضاد للرصاص” و”فولاذ ثقيل”، إضافة إلى سقف متطور صُمم خصيصًا للتصدي لهجمات الطائرات المسيَّرة.

علاوة على ذلك، كشف نواب جمهوريون عن نية تزويد المبنى بنوافذ يبلغ سُمكها 7 بوصات، في وقت يضغطون فيه لإنفاق 400 مليون دولار من أموال دافعي الضرائب على المشروع.

وبينما تحاول الإدارة الحالية رد الدعاوى القضائية التي تسعى لوقف البناء، تبرز إشكالات قانونية ومعمارية، إذ يرى خبراء أن تكوين المبنى ينتهك بشكل صارخ قواعد العمارة الكلاسيكية المتعارف عليها.

ومن جهة أخرى، أثار قرار القاضي الفيدرالي وقف البناء مؤقتًا جدلاً واسعًا، ولا سيَّما بعد السماح باستمرار العمل في المنشآت العسكرية السرية الواقعة تحت “الجناح الشرقي” الجديد للمبنى.

واستجابة لهذه التطورات، بدأت أروقة البيت الأبيض تُروج لفكرة أن الأجزاء العلوية من المبنى ترتبط ارتباطًا وثيقًا بالأمن القومي، وهو ما يغير النظرة التقليدية لهيبة الرئاسة الأمريكية التاريخية.

ورغم أن تشديد الحراسة ليس أمرًا طارئًا، فإن هذه النبرة الصريحة في الحديث عن “التحصينات” تمثل تراجعًا عن نهج التواضع والاستقرار الذي حافظ عليه الرؤساء الأمريكيون لعقود طويلة.

فقد دأب المسؤولون سابقًا على تبني نبرة اعتذارية عند مناقشة الإجراءات الأمنية، مؤكدين دائمًا ضرورة الموازنة بين حماية “العائلة الأولى” وبقاء المقر الرئاسي “بيتًا لكل الشعب”.

بيد أن إبراز هذه البنية التحتية الدفاعية اليوم يقوض الرمزية الديمقراطية، فالمواد المتواضعة وإمكانية رؤية المبنى من الشارع كانت توحي بأن الحكومة تبقى دومًا مسؤولة أمام مواطنيها ومراقبتهم.

ومن هذا المنطلق، يصبح كل سياج حديدي أو لوح زجاجي مصفح بمرتبة حاجز مادي ومعنوي يكرّس الفجوة المتزايدة بين السلطة الحاكمة وبين عامة الشعب الذين يطالبون دومًا بالشفافية.

لقد آثر الرؤساء السابقون الكتمان، ممارسين نوعًا من “الخداع البصري” لإظهار الانفتاح رغم وجود مخاطر، لكن النهج الحالي يقدّم بديلاً قاتمًا يعتمد على العزل التام خلف الجدران الفولاذية.

ويؤكد محامو وزارة العدل صراحةً أن القاعة الجديدة ستُغني الرئيس عن مغادرة محيط البيت الأبيض المؤمَّن، ما يلغي تقليد حضور المناسبات العامة الكبرى في فنادق العاصمة التاريخية العريقة.

وبالعودة إلى التاريخ، نجد أن الكتمان كان شعار الخدمة السرية منذ عام 1901، إذ كان الضباط يحرصون على ارتداء ملابس مدنية وتجنب لفت الأنظار لضمان السكينة والهدوء.

فالجمهور لم يكن يسمع عن مزايا الدفاع إلَّا عند وقوع حوادث طارئة، ذلك أن السرية كانت تعد بحد ذاتها جزءًا لا يتجزأ من منظومة الحماية الرئاسية الناجحة والفعالة.

وقد وضع فرانكلين روزفلت القواعد الأولى لهذا النظام، مستبدلاً بالحواجز العشوائية سياجًا حديديًّا رصينًا، مع الحفاظ على إمكانية وصول الجمهور إلى الجانب الشمالي للمبنى بكل يسر وسهولة.

ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية، بنى روزفلت ملاجئ سرية تحت الأرض، لكنها ظلت مخفية تمامًا عن الأنظار، حفاظًا على صورة الدولة القوية الواثقة التي لا تخشى أبدًا مواطنيها.

ثم توالت التغييرات الأمنية بهدوء خلال سنوات الحرب الباردة، ولم يتغير المشهد الدرامي إلا بعد انفجار أوكلاهوما عام 1995، إذ بدأت الحواجز الخرسانية تظهر بوضوح في شوارع واشنطن.

ورغم إغلاق شارع بنسلفانيا آنذاك، حرص بيل كلينتون على مخاطبة الشعب معتذرًا، ومحذرًا من الاستسلام لـ”عقلية المخابئ” التي قد تبني جدارًا عازلًا بين الرئيس وعموم الشعب الأمريكي.

أما اليوم، فيبدو أن هذه العقلية قد استحوذت تمامًا على المشهد السياسي، بحيث يتفاخر ترامب علنًا بمزايا “حصنه” الجديد، محطّمًا بذلك عقودًا من التقاليد السياسية والرموز المعمارية الرصينة.

اظهر المزيد

اترك تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى