العالم تريند

فنلندا.. مقومات عالمية للسياحة العلاجية

من بحيراتها الجليدية وحياتها البرية التي عادة ما يرمز لها بحيوان الرنة انتقالاً إلى الشفق القطبي الرائع الذي يعد من الظواهر الجميلة التي تضفي البهجة على ناظرها.. تشتهر فنلندا بطبيعة ساحرة مليئة بالإلهام وبتاريخ فني عريق وبنظام رعاية صحي متطور يجعلها تمتلك مقومات الجذب السياحي.

وفي الآونة الأخيرة، تعمل فنلندا التي تقع بين السويد وروسيا على تسليط الضوء على ريادتها في القطاع الصحي لتشجيع السياحة العلاجية من مختلف بلدان العالم. وتستند قوة عاصمتها هلسنكي في مجال الخدمات الصحية إلى استخدامها للذكاء الاصطناعي والتعلم الآلى والبيانات الضخمة لتقديم علاج تخصصي يلبي حاجة كل مريض. وتمتلك الدولة الشمالية الإسكندنافية سجلات وقواعد بيانات كبيرة استخدمت منذ عقود طويلة ترجع لعام 1950. وتتجسد استراتيجية فنلندا في توفير خدمات طبية عالية الجودة بأقل التكاليف الممكنة وهو يترجم معنى الكفاءة في الخدمات.

ولاستكشاف جوانب الريادة في القطاع الصحي الفنلندي، زارت صحيفة «البيان» بدعوة من السفارة الفنلندية في الإمارات، ورفقة ممثلي وسائل إعلام من الولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة والدنمارك والنمسا، عدة مرافق صحية ومراكز للشركات الناشئة ورواد أعمال واطلعت «البيان» الصحيفة العربية الوحيدة المشاركة في الرحلة على آخر التطورات في القطاع الصحي بالعاصمة هلسنكي.

في برنامج مضغوط وحافل بالزيارات الميدانية، كانت زيارة مستشفى الأطفال الجديد في هلسنكي تجربة لا تنسى وتقدم أنموذجاً متفرداً بدءاً من شكل المستشفى الخارجي انتقالاً لتصميمه الداخلي ومرافقه من غرف المرضى وممرات وتجربة الزائر في المكان، وذلك لكسر الشعور بالخوف الذي يرتاب الأطفال لدى زيارة المستشفيات وتلقي العلاج.

عند وصول الطفل مع أهله إلى المستشفى، فهو لا يحتاج إلى التوجه لقسم الاستقبال لإتمام إجراءات التسجيل وإنما ينفذها من خلال جهاز إلكتروني على شكل روبوت. وحينما يصل دور المريض، فهو لا ينادى باسمه وإنما يحصل على اسم مستعار من أحد الشخصيات الكرتونية المحببة إليه حفاظاً على خصوصيته ويخرج الطبيب من غرفته لاستقبال الطفل المريض مع أهله ويبدأ بالتحدث إليهم إذابة للقوالب والحواجز بين الأول والثاني.

وبالتجول في أرجاء المستشفى، يجد الزائر أن هذا المكان لم يصمم فقط لتلقي المرضى للعلاج وإنما لخلق تجربة تعزز روح الإبداع والفن لدى مرتاديه. فعلى سبيل المثال، يرى المراجعون لدى دخولهم الباب الرئيسي حوضاً كبيراً للأسماك يأتي على مساحة حائط بأكمله إلا أن الأسماك التي تسبح في مياه الحوض ليست حقيقية وإنما تعبر عن شخصية كل مريض الذي يرسم سمكته الخاصة ويكتب اسمه عليها ليجدها بعد دقائق تسبح مع نظيراتها من باقي الأسماك.

وما يثير الانتباه أن مصاعد المستشفى ليست وسيلة للتنقل فحسب وإنما فسحة صغيرة للاسترخاء حيث ترتفع فيها أصوات لأعماق المحيطات فيما تعزز جدران المصعد الملونة بالأوراق الداكنة هذا الشعور بالهدوء والراحة.

يستوحي المستشفى تصميمه الداخلي من الطبيعة فتجد بعض الجدران والأرضيات ملونة بالأخضر والأزرق.

وفي الممرات، توجد جلسات واستراحات مميزة كما توجد أماكن مخصصة للألعاب بين زوايا المسشتفى. ولجعل تجربة المريض أكثر متعة، يعطى كل مريض جهاز آيباد إضافة إلى تمكنه من الاتصال بعائلته وأصدقائه عبر مكالمات هاتفية بالصوت والصورة وإمكانية الاتصال بالانترنت واستخدام وسائل الإعلام الاجتماعي.

ورصدت «البيان» نظاماً تقنيا فريداً يعتمد على الاستفادة من بيانات موقع الكادر الطبي لتشكيل خريطة تعرض مهام طاقم المستشفى من ممرضين وأطباء في الوحدات التشغيلية على مدار الساعة. ليس هذا وحسب ففي غرفة الانتظار العائلية، توجد شاشات تعرض المراحل التي يمر بها الطفل المريض من لحظة الاستعداد للدخول إلى العملية إلى الخروج منها، مما يجعل الأهل على دراية كاملة بما يحصل ويساعد في تحسين التواصل بين الأهل والطاقم الطبي.

بنك هلسنكي الحيوي

على غرار البنوك التي تجمع بيانات المستخدمين المالية، تحتضن هلسنكي بنكاً خاصاً بالعينات البيولوجية والعينات السريرية وبيانات المستخدمين يطلق عليه «بنك هلسنكي الحيوي». يعد هذا البنك البيولوجي الأكبر في فنلندا وتأسس في 2015 من قبل مستشفى هلسنكي وأوسيماء (HUS)، وجامعة هلسنكي ويضم قاعدة لعينات من 2 مليون شخص من سكان فنلندا.

وقالت أنو لوكولا، مدير مشروع في بنك هلسنكي الحيوي إن هذه البيانات والعينات البيولوجية تساعد في الأبحاث الطبية المستقبلية وتطوير المنتجات لأغراض الرعاية الصحية، إضافة إلى تشخيص الأمراض بدقة أكبر. وأوضحت أن الباحثين الفنلنديين اكتشفوا أن النوع الثاني لمرض السكري، والمرتبط بأسلوب حياة الشخص، تندرج تحته 5 أمراض ذات مسارات مختلفة ومن المحتمل أن تحتاج علاجات مثالية مختلفة.

وتابعت لوكولا إن المرضى يحتاجون المزيد من الأدوية والعلاجات الفعالة والآمنة والعلاج الشخصي حيث يختلف مفعول الدواء من شخص لآخر. وبيّنت أنه حتى الآن تجري معالجة المرضى بناء على تشخيصهم لكن سرعان ما سيتم علاج الأمراض على أساس الجينوم البشري.

ولفتت إلى أنه لكل مريض في مستشفيات فنلندا بطاقة هوية أمان (security ID) كما أنه يوجد باركود لكل عينة لضمان عدم اختلاط العينات.

واستعرضت لوكولا مشروع «فين جين» أكبر مشروع بحثي يطابق معلومات الجينوم استنادًا إلى عينات تم جمعها من حوالي 500 ألف فنلندي، مع بيانات الرعاية الصحية الرقمية من سجلات الجهات الوطنية. ويهدف المشروع إلى تعميق الفهم حول أصول المرض وكيفية معالجتها، فيما ستساعد النتائج على إنتاج حلول جديدة للطب الشخصي، مشيرة إلى أن 7 % من زيارات المرضى إلى المستشفيات هي بسبب الآثار الجانبية للأدوية التي يتلقاها المرضى.

أرضية مثمرة للابتكار

عبّرت ريتا سوان سفيرة فنلندا لدى الإمارات عن سعادتها بتنظيم هذه الرحلة الاستقصائية إلى هلسنكي. وقالت لـ “البيان” حول الزيارة الإعلامية: “نحن متحمسون لإتاحة الفرصة لمشاركة خبرات فنلندا على الصعيد العالمي في مجال الرعاية الصحية. خدماتنا الصحية المتساوية والميسورة وذات الجودة العالية متاحة للجميع كما أن فنلندا مليئة بالباحثين والمهندسين الماهرين ، وهذا يوفر أرضية مثمرة لكل من الابتكار والشركات الناشئة.

المصدر
البيان
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقك