العرب تريند

ساعة الشدة.. الخليج يسأل «أين الأشقاء» وسط تصاعد الحرب الإقليمية

في أتون حرب إقليمية تشتعل منذ أسابيع قليلة، باتت خريطة التحالفات في الشرق الأوسط تُعاد رسمها على وقع الصواريخ والتصريحات الدبلوماسية. بدأت المواجهة بضربات أمريكية-إسرائيلية ضد أهداف إيرانية، ثم امتدت إلى جبهات متعددة في لبنان والاردن والعراق والبحر لتضع دول الخليج – التي تتعرض لتهديدات مباشرة – أمام اختبار حقيقي لمدى تماسك «الجبهة العربية» التي طالما تم الترويج لها.

ليس التصعيد العسكري وحده ما يقلق الدوائر الخليجية، بل التباين الصارخ في المواقف السياسية بين دول الخليج التي تدفع الثمن الأعلى، وبعض الدول العربية الكبرى التي اختارت خطاباً أكثر تحفظاً أو توازناً يصل أحياناً إلى حد الغموض.
هذا التباين ليس مجرد اختلاف تكتيكي؛ إنه يعكس – في أعماقه – شعوراً بالخيبة يتردد في أبوظبي والدوحة والمنامة والكويت، شعور بأن الدعم الذي قدمته دول الخليج في أوقات سابقة لم يُقابل بالمستوى نفسه من التضامن السياسي الصريح اليوم.

يُعبّر عن هذا الشعور بأبلغ صورة الدكتور أنور قرقاش، مستشار الرئيس الإماراتي، في تغريدة نشرها يوم 23 مارس 2026، حيث كتب:
«يحق لنا في دول الخليج العربي أن نتساءل: أين مؤسسات العمل العربي والإسلامي المشترك، وفي مقدمتها الجامعة العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، ودولنا وشعوبنا تتعرض لهذا العدوان الإيراني الغاشم؟ وأين الدول العربية والإقليمية «الكبرى»؟
في هذا الغياب والعجز، لا يجوز لاحقاً الحديث عن تراجع الدور العربي والإسلامي أو انتقاد الحضور الأمريكي والغربي.
لقد كانت دول الخليج العربي سنداً وشريكاً للجميع في أوقات الرخاء… فأين أنتم اليوم في وقت الشدة.»

السؤال الذي طرحه قرقاش ليس مجرد تعبير عاطفي؛ إنه يستند إلى ذاكرة تاريخية واضحة. فالإمارات، على سبيل المثال، لم تكتفِ بالدعم المالي لدولة عربية كبرى مثل مصر – الذي تجاوز عشرات المليارات من الدولارات وأنقذ الاقتصاد المصري من الانهيار مرات عدة – بل قدمت دعماً عسكرياً مباشراً للسعودية في أزمة اليمن، حيث أرسلت قواتها إلى الحدود الجنوبية لتعزيز الدفاع المشترك ضد الحوثيين وكانت أبوظبي دائماً في الطليعة، لا تتردد في المخاطرة عندما يتعلق الأمر بأمن الإقليم.

ومع ذلك، يبدو أن هذا الدعم لم يترجم إلى مواقف سياسية متبادلة بالقوة نفسها في الأزمة الراهنة.

يشعر الخليجيون اليوم – وفقاً لمصادر دبلوماسية خليجية – بأن الرياض ومصر اختارتا في بعض اللحظات الحرجة خطاباً سياسياً أقل حدة، بينما تبدو مسقط أقرب إلى الوساطة التي تمنح إيران مساحة للمناورة.
وكان مقال وزير الخارجية العُماني بدر بن حمد البوسعيدي في مجلة «ذا إيكونوميست» (مارس 2026) – الذي وصف السياسة الأمريكية بأنها «فقدت السيطرة» واعتبر الرد الإيراني «خياراً منطقياً» – بمثابة القشة التي أثارت الضجة وعمّقت الإحساس بالتباين.

يأتي الشيخ عبدالله محمد آل حامد، في تغريدة نشرها مؤخراً، ليُعمّق التشخيص بهذه الطريقة القاسية:

«ليست مشكلة بعض دول المنطقة أنها لا ترى الخطر، بل أنها تراه ثم تتردد، وتفهمه ثم تساوم عليه، وتعرف مصدره ثم تختار الهروب من تسميته…

على مدى سنوات، تكرر المشهد نفسه… ومشاريع تخريبية وميليشيات عابرة للدولة، ثم نجد من يبرر لها، أو يهادنها، أو يعيد تدويرها سياسياً وإعلامياً، وكأن الإرهاب يمكن أن يصبح شريكاً محترماً إذا تبدلت الظروف.»

أما الدكتور ياسر اليافعي، فقد لخص جوهر الأزمة في تغريدة يوم 25 مارس 2026 بقوله:
«الحقيقة أن جوهر الأزمة العربية يكمن في غياب وضوح المواقف، أو في التناقض الصريح بينها. فبعض الأطراف تحارب جماعة كالإخوان داخل حدودها، ثم تتسامح مع حضورها في دول أخرى. وتتحدث في الوقت ذاته عن الخطر الإيراني وعن الأمن القومي العربي، بينما تسهم عملياً في تمكين أدوات إيران.»

ويعود الدكتور أنور قرقاش نفسه ليُكمل الصورة في تغريدة : «منذ بدء العدوان الإيراني الغاشم، تواصلت الدول الشقيقة والصديقة، فتميّزت المواقف بين عرض دعماً صادقاً يُقدَّر ويُشكر عليه، ومن اكتفى بالتصريحات دون فعل.
الإمارات أثبتت قدرتها على التصدي والصمود، وهي لا تحتاج إلى العدة والعديد بقدر ما تحتاج إلى وضوح المواقف ومعرفة من يُعتمد عليه وقت الشدائد.»

هذه الأصوات الخليجية – التي تجمع بين الحزم والأسف – لا تعكس فقط إحباطاً لحظياً، بل تكشف عن تحول استراتيجي أعمق. دول الخليج، التي بنت شراكاتها على الدعم غير المشروط في أوقات الرخاء، تكتشف اليوم أن «الأخوة العربية» قد لا تكون دائماً مترجمة إلى فعل سياسي متبادل عندما تشتعل النيران قرب حدودها.

السؤال الذي يطرح نفسه الآن في أروقة أبوظبي والرياض والدوحة: هل ستدفع هذه الخيبة الخليج نحو إعادة ترتيب أولويات تحالفاته، أم أن الضغط الإيراني سيكون الدافع الذي يُعيد لم الشمل العربي على أسس أكثر واقعية ووضوحاً؟ الإجابة لن تظهر إلا بعد انحسار الدخان، لكن التصريحات الخليجية الأخيرة تقول بوضوح: في وقت الشدة، لم يعد يكفي الخطاب التقليدي بل يُراد فعل يُقاس بالموقف لا بالكلام.

اظهر المزيد

اترك تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى