سوريا

تفاصيل اجتماع “سرّي” بين الروس وشخصيات علوية سورية عقد في جنيف

عربي تريند_ تحاول روسيا فتح باب الحوار مع مكونات مختلفة من السوريين سياسياً ودينياً واجتماعياً، ولا سيما مع دخول قانون قيصر حيز التنفيذ الفعلي في 17 من الشهر الحالي، ربما للوصول إلى صيغة تجنبها تقويض مصالحها في سورية بالدخول في حل سياسي جدي، لتعديل النظام القائم برئاسة بشار الأسد الذي تدعمه، أو ربما لعب دور في إيجاد البديل الذي يناسب تطلعاتها في البلاد، في ظل الضغط الأميركي عليها للتخلص من رأس النظام.
فبعد الكشف عن لقاء ممثل الرئيس الروسي لشؤون الشرق الأوسط ونائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل بوغدانوف، مع المعارض السوري معاذ الخطيب الرئيس الأسبق للائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية في العاصمة القطرية الدوحة، أُعلن اليوم عن لقاء جمع البعثة الروسية في الأمم المتحدة بجنيف السويسرية مع شخصيات علوية مقيمة خارج سورية.


سورية الآن على مفترق طرق تاريخي، حيث مزقت الحرب نسيج المجتمع بأكمله


وهدف اللقاء الذي جرى بشكل سري في الـ 15 الشهر الحالي إلى “تبادل بعض الأفكار المتعلقة بالوضع السوري، والاطلاع على بعض وجهات النظر المتعلقة بها”، تحت عنوان “تسهيل التفاعل بين الاتحاد الروسي والمؤثرين من العلويين في الشتات”. وتم تسريب بعض تفاصيله اليوم من الجهة الميسرة للاجتماع، وهي “مركز الحوار الإنساني” المشار إليه بالوثيقة التي صدرت عن الاجتماع بـ (HD)، وهو منظمة غير حكومية مستقلة، تساعد في الوساطة بين الأطراف المتنازعة لمنع أو إنهاء الصراعات المسلحة.

ورغم أن الاجتماع كان من المقرر أن يبقى سرياً، وكذلك مخرجاته والشخصيات العلوية التي حضرته لحمايتهم، إلا أن الجهة الميسرة له كشفت عن المحاور التي تم تداولها، عبر وسائل التواصل وحصلت عليه وسائل إعلام. ودفع ذلك العلويين الحاضرين لانتقاد التسريب عبر المحامي عيسى إبراهيم الذي انتدبوه عنهم للتوضيح، وتفنيد الورقة التي كشفتها الجهة الميسرة.
وبحسب هؤلاء فإن المحاور التي تناولتها الوثيقة المسربة عن الجهة الميسرة “غير صحيحة بشكل كبير جداً”، بحسب إبراهيم، والذي بدروه نشر النسخة الصحيحة، عن المداولات، مرفقاً إياها بتوضيح على موقع “أسرة الشيخ صالح العلي”.
وفي حديث مع “العربي الجديد” قال إبراهيم إن “هناك العديد من الفروقات بين الوثيقة المسربة الأولى والوثيقة الصحيحة التي نشرناها نحن فيما بعد، أهمها وأكثرها خطورة إشارة الوثيقة الأولى إلى ضرورة التمثيل النسبي للطوائف والإثنيات، مما يفهم منه الدخول بمفهوم المحاصصة الطائفية، في حين نحن كفريق أكدنا أنه لا يوجد طائفة أو إثنية متجانسة بالرأي السياسي، ورفضنا أي نوع من المحاصصة بشكل واضح ونهائي”.
وتابع: “أوحت النسخة المسربة الأولى بأن النظام طائفي، ونحن أوضحنا بأن النظام كما الطرف الآخر، يستخدم الطائفية لتحقيق غايات سياسية، وكون أن النظام من طغمة متنوعة لا يجعله علمانياً ولا حميداً، كذلك أشارت الورقة المسربة إلى أننا نعتقد بالدولة المركزية، في حين اعتبرنا نحن أن نظام اللامركزية هو الأنسب وفق المدى الذي يقرره السوريون”.

وقُسّمت الوثيقة، والتي حملت المواضيع المتداولة خلال الجلسة إلى جزأين، الجزء الأول تضمن ما تم طرحه من قبل المشاركين (الشخصيات العلوية)، أما الثاني ما تم طرحه من قبل سيرغي ميتوشين السكرتير الأول للبعثة الروسية الدبلوماسية الدائمة إلى الأمم المتحدة في جنيف.

وتناول العلويون في حديثهم عديد المحاور والنقاط، منها أن “سورية الآن على مفترق طرق تاريخي، حيث مزقت الحرب نسيج المجتمع بأكمله”، مضيفين أنه “لا يبدو أن السلطة الحالية مهتمة بمصير شعب البلاد بعد الآن”.

وتطرقوا كذلك إلى الدور المركزي للدولة من نظرة تاريخية بالإشارة إلى أن “سورية الحالية المعروفة بحدودها نشأت عبر اتفاق بين الأقاليم السورية المكونة في حينه، والتي كانت دولاً مستقلة في ظل الانتداب للبدء بدولة مركزية عاصمتها دمشق”. وأوضحوا أن “هذه التجربة مرت بمطبات كثيرة، إلى أن استقرت إدارة الدولة عند استلام الأسد في السبعينيات مع حزب البعث الحاكم والنخبة الضيقة التي كانت مسيطرة على الدولة، ومع الوقت أساءت هذه السلطة استخدام الميثاق الوطني غير المعلن، وأنشأت منظومة ذاتية فرضت قبضتها على جميع السلطات”.

مظلومية وغبن للطائفة

وذهب العلويون المشاركون في الجلسة إلى تحميل النظام والمعارضة تبعات ما وصلت إليه البلاد بعد اندلاع الثورة في عام 2011، بالإشارة إلى أنه “بعد بدء الانتفاضة الشعبية استخدم طرفا الصراع العصبيات المجتمعية والسرديات الطائفية، من أجل تحقيق المكاسب السياسية”.

وتطرقوا كذلك للمظلومية العلوية واستخدام الطائفة من قبل النظام، مبررين انخراط أبنائها في الجيش والأمن بالتنويه إلى أن “نسبة العلويين في الجيش والأمن أعلى من نسبتهم في المجتمع السوري”، عازين ذلك “لسببين أساسيين، الأول: ضعف الموارد في مناطقهم المحلية، والثاني: نقص فرص العمل”.

وأشاروا إلى أن “المناطق العلوية لديها مستوى تعليمي جيد، وبنفس الوقت تعاني فقراً شديداً”، معربين عن اعتقادهم أن “لدى العلويين شعورا كبيرا بالغبن والمظلومية، جراء هذه الإدارة الحالية للمجتمع السوري”.

تفضيل الروس على الإيرانيين

وعلى إثر ذلك قدم العلويون المشاركون للجانب الروسي عديدا من التوصيات تم إجمالها في تسعة بنود، تمثلت بالحاجة لعقد اجتماعي جديد بين السوريين من خلال الحوار على أن يجسد ذلك الدستور، وفتح باب التفاهم بين الأطراف والجماعات السورية، والرغبة بأن يكون شكل الدولة موحدة لامركزية ذات نظام ديمقراطي علماني، على أن يستفاد من تجربة الاتحاد الروسي في (المركزية – المحلية) للوصول إلى نموذج مقبول للحكم.

وأقروا في توصياتهم بأن المجتمع العلوي يفضل الوجود الروسي في مناطقه على الوجود الإيراني، مشيرين إلى أهمية مشاركة كل الدول الفاعلة في الحل السوري على المستوى العام. وأشاروا كذلك إلى أن تحيز روسيا إلى النظام وتلميحها إلى أنها لن تدعم رئيساً سنياً يعد خطابا غير متوازن، وأن المجتمع العلوي لن يقبل أن يأخذه النظام كرهينة، أو أن يوصف النظام بأنه نظام الطائفة، وأن “العلويين يرون أنفسهم سوريين أولاً، ويفخرون بثقافتهم الفرعية”.

اعتراف روسي بالميل نحو النظام في سوتشي

أما الجزء الثاني من الورقة، والذي تناول ما طرحه السكرتير الأول للبعثة الروسية الدبلوماسية الدائمة إلى الأمم المتحدة في جنيف، فقد أشار إلى أن ميتوشين “شدد على أن الدور الروسي في سورية قد ركز دائمًا على تمكين دولة قوية قادرة على إرساء سيادتها ضمن حدود القواعد والقانون الدولي”، زاعماً أن بلاده “لا تزال تدعم المحادثات الدبلوماسية التي تجري في المسار 1 (مباحثات جنيف) وعمل اللجنة الدستورية”.

وأقر المسؤول الروسي خلال اللقاء بمحاباة النظام خلال مؤتمر “الحوار الوطني السوري” الذي رعته في سوتشي عام 2018 بالقول: “روسيا تدرك الحاجة إلى تجديد (العقد الاجتماعي) في سورية، وهذا الاعتراف هو الذي دفع روسيا إلى رعاية مؤتمر سوتشي في 2018. على الرغم من أن التمثيل في سوتشي كان يميل نحو النظام، وكان أبعد ما يكون عن المثالية، لكنها ما زالت تقوم بمحاولة تجريبية لتمكين السوريين من الحوار ومناقشة مستقبلهم وخلافاتهم. أدى الوقت المحدود والصيغة الصعبة والتمثيل غير المتوازن إلى تقويض نجاح سوتشي”.

وأوضحت الورقة أن ميتوشين “أعرب عن اهتمامه بالمنظور الذي قدمه المتحدثون، والذي يدعي أن النظام غير طائفي في طبيعته الحقيقية، على الرغم من حقيقة أن النخبة العسكرية والاستخباراتية تنتمي في الغالب إلى العلوية”، مختتماً ملاحظاته بسؤال حول كيف يرى المشاركون الطريق للمضي إلى الأمام في هذا الحوار. ونقلت الورقة اهتمام الحاضرين “بفكرة مؤتمر الوحدة الوطني، حيث يتم تمثيل جميع المجموعات السورية، والبحث عن إطار وطني ملزم لما بعد الصراع من أجل التوصل إلى التصالح”.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق