العالم تريند

طفرات كورونا… قلق من تفاقم الحالة الوبائية

عربي تريند_ الطفرات أمر معهود في ما يتعلّق بالفيروسات عموماً، وهي تعني تحوّراً في تركيباتها الجينيّة. والتحوّر قد يؤدّي إلى ازدياد في حدّة العدوى أو في احتمالات الإصابة. واليوم، يعبّر كثيرون عن قلق إزاء طفرات في إطار الوباء العالمي الجديد.

ما زال الباحثون حول العالم يحاولون التعرّف أكثر على السلالة الجديدة لفيروسات كورونا التي ظهرت قبل أشهر قليلة، وما زالوا يسجّلون في كلّ يوم “اكتشافاً” جديداً وإن كانت تلك الاكتشافات بحسب اعترافهم تحتاج إلى مراجعة وتأكيد، لا سيّما أنّ كلّ جديد علميّ يستوجب أكثر من اختبار لحسمه والتسليم به. ولعلّ آخر ما أتى في سياق متّصل، هو مئات من طفرات فيروس كورونا الجديد رصدها أخيراً باحثون من الولايات المتحدة الأميركية وكذلك من المملكة المتحدة.

للوهلة الأولى، قد يظنّ القارئ أنّ في الأمر “كارثة”، لكنّه سرعان ما يعود ليطرح أسئلة من قبيل: ماذا يعني رصد طفرات عدّة؟ ولماذا يتحوّر فيروس ما؟ ما هي العوامل التي تؤدّي إلى ذلك؟ هل هي بيئيّة أم غير ذلك؟ وهل تَعدّد الطفرات أمر سلبيّ في عمليّة مواجهة كورونا؟ وماذا بخصوص اللقاح المنتظر؟ هل من الممكن ألا يكون فعّالاً في كلّ الطفرات، الأمر الذي يفرض لقاحات مختلفة؟ وماذا بخصوص شراسة الطفرات الجديدة؟ هل من المسلّم به أنّها تكون دائماً أكثر حدّة؟ أم أنّ شراستها ترتبط بفعل أنّها مستجدّة وغريبة على جسم الإنسان وبيئته؟

“الطفرات ليست سيّئة بحدّ ذاتها”، بحسب ما صرّح به الأستاذ الجامعي فرانسوا بالوكس، وهو أحد القائمين على دراسة أعدّتها كليّة لندن الجامعيّة أخيراً ورُصدت فيها 198 طفرة من فيروس كورونا الجديد. أضاف أنّ “لا شيء يوحي بأنّ الطفرات تتحوّر بشكل أسرع أو أبطأ من المتوقّع”، بالتالي “من غير الممكن القول إذا كان الفيروس يضحي أكثر أم أقلّ فتكاً وعدوى”. ووفقاً لدراسة أخرى أُعدّت في جامعة غلاسكو في اسكتلندا وعمدت إلى تحليل طفرات، فإنّ التحوّرات المرصودة لا تصل إلى حدّ اعتبارها سلالات مختلفة من الفيروس. وخلصت إلى أن ما ينتشر حالياً هو نوع واحد فقط من الفيروس.

من جهتها، قالت الطبيبة لوسي فان دورب، المشاركة في صياغة دراسة كليّة لندن الجامعيّة، في حديث إلى هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، إنّ تحليل عدد كبير من جينومات الفيروسات قد يُعَد “أمراً لا يقدّر بثمن في إطار الجهود المبذولة لتطوير علاجات”. لكنّ كلّ ذلك يبقى نظرياً حتى الآن، فالباحثون لا يملكون ما يكفي للحسم في ما يتعلّق بتحوّرات جينوم فيروس كورونا الجديد، علماً أنّ مراقبة التحوّرات الصغيرة التي تطرأ على تركيبة الفيروس أمر أساسي من أجل تطوير علاجات ولقاحات ذات صلة.

قلق من عدوى أسرع

وفي الولايات المتحدة الأميركية، رصد باحثون في مختبر لوس ألاموس الوطني في ولاية نيو مكسيكو، من جهتهم، تحوّرات طرأت على فيروس كورونا الجديد، مستعينين بـ”المبادرة العالميّة لمشاركة كلّ بيانات الإنفلونزا”، علماً أنّ هذه المبادرة ناتجة من شراكة ما بين القطاعَين العام والخاص في ألمانيا. وقد خلص باحثو لوس ألاموس إلى أنّ طفرة معيّنة تطغى وهي “دي 614 جي”، مشيرين إلى احتمال جعل مرض كوفيد – 19 الذي يتسبّبب فيه فيروس كورونا الجديد أكثر عدوى، علماً أنّ هذا يُسجَّل تحديداً في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية. لكنّ ما توصّل إليه هؤلاء لم يخضع بعد إلى مراجعة خبراء آخرين ولم يُنشر إلا عبر خادم “بيوركسيف” الإلكتروني الخاص بعلوم الأحياء في حين أنّ دراسات مماثلة تُنشر عادة في مجلات علمية متخصصة. وهذا ما أثار حفيظة عدد من المراقبين، فهؤلاء استغربوا الأمر لا سيّما أنّ معدّي الدراسة متخصصون كبار في علم الفيروسات والأمراض المعدية.

ولفت باحثو لوس ألاموس في دراستهم إلى أنّ ثمّة ما يجعل الطفرة المرصودة تتزايد بسرعة أكبر من سواها من الطفرات، غير أنّهم أكّدوا عدم اتّضاح تبعات الأمر، إن لجهة انتشار الفيروس أو العلاجات أو اللقاحات. وكان هؤلاء قد عمدوا إلى تحليل بيانات مصابين بعدوى كورونا أثبتت تركّز نسبة الفيروس لديهم أكثر من سواهم، غير أنّ الباحثين لم يتمكّنوا من العثور على ما يثبت أنّ العدوى كانت أكثر حدّة لدى المرضى أو أنّهم استدعوا استشفاء لمدّة أطول. من جهة أخرى، فإنّ هذا التحوّر يعني إمكانيّة إصابة الأشخاص المتعافين مرّة أخرى بطفرة مختلفة. ولم يتردّد الباحث الرئيسي في دراسة لوس ألاموس، الدكتور بيت كوربر، في التعبير عن “قلق”، إذ إنّ طفرة “دي 614 جي” التي رُصدت تتفشّى بسرعة كبيرة، وقد صارت الأكثر انتشاراً على مستوى العالم في شهر مارس/ آذار الماضي، علماً أنّها ظهرت في أوروبا منذ منتصف فبراير/ شباط أو ربّما قبل ذلك.

وقف الجائحة أمر طارئ

للاستيضاح حول الموضوع الذي راح يثير جدالاً، يوضح البروفسور المتخصّص في الأمراض الجرثومية والمعدية جاك مخباط لـ”العربي الجديد” أنّ “الكائنات الحيّة تتكوّن من حمض نووي يُعَدّ الأساس في تنظيم عمل الخليّة، أمّا الفيروس فليس خليّة إنّما يتكوّن فقط من حمض نووي وبعض البروتينات حوله، أي أنّه لا يتمتّع باستقلالية ذاتية بالتكاثر بل عليه أن يتطفّل دائماً على خليّة ما ويستخدمها كي يتكاثر”. يضيف مخباط أنّ “الحامض النووي للفيروسات، خصوصاً فيروس كورونا أو فيروس إنفلونزا، مكوّن من حمض نووي ريبوزي (RNA)، وهذه الفيروسات إجمالاً غير ثابتة، ما يعني أنّها كلما تكاثرت استنسخت نفسها، وفي كلّ نسخة تُسجّل أخطاء، وهذا الخطأ في النسخ يُدعى طفرة. والطفرات تحدث كثيراً، بالمئات والألوف، غير أنّ الطفرات بمعظمها لا تملك أيّ ظاهرة تكوينية ولا قيمة لها بالنسبة إلى شكل الفيروس ونوعه وأذيّته وأعراضه وحياته. بالتالي لا تملك بمعظمها أيّ تأثير على الإطلاق”.

ويتابع مخباط أنّ “ثمّة طفرات قد تؤدّي إلى موت الفيروس، فيفقد عندها قدرته على التكاثر، وهذا ما يُسمّى الطفرة المجهضة لأنّها تجهض الفيروس وتخفيه نهائياً. لكن ثمّة طفرات خطرة تغيّر البروتينات كليّاً، وخطورتها تكمن في أنّنا نكوّن مضادات حيوية ضدّ البروتينات الموجودة في الفيروس الذي أُصبنا به، وفي حال تغيّرت هذه البروتينات فإنّ المضادات الحيوية والمناعة التي كوّنها الجسم ضدّ الفيروس في الأساس ستفقد فعاليّتها على البروتينات المكوّنة في الطفرة الجديدة. لذلك مناعيّاً، الطفرات تشكّل خطراً على التطوّر الوبائي”.

ويلفت مخباط إلى أنّ “طفرات معيّنة قد تجعل الفيروس أكثر سمّيّة، أي أنّ طريقة تكاثره تكون أسرع، كذلك الأمر بالنسبة إلى انتقاله من إنسان إلى آخر. وهنا تجدر المقارنة ما بين فيروس كورونا الجديد الذي طاول منطقة الشرق الأوسط والذي كانت سمّيّته أخفّ، وذلك الذي طاول فرنسا وأوروبا الشمالية والذي كانت سمّيّته أقوى بقليل، وذلك الذي طاول إيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة الأميركية والذي كانت سمّيّته أقوى بكثير”. ويشرح أنّه يمكن الحديث عن “عائلات من الفيروس وليس عن فيروس واحد، ولذلك نخاف من إعادة اللبنانيين من الخارج، على سبيل المثال، ونشدّد على ضرورة الوعي الكبير عند إتمام هذه العملية. من هنا، يجب إجراء الفحوصات الدقيقة للبنانيين المغتربين كي نضمن أنّهم لا يحملون الفيروس، وبالتالي كي لا نأتي بفيروسات ذات سمّيّة أكبر”.

وعن العوامل التي تؤدّي إلى الطفرات، يقول مخباط إنّها “تكمن في عمليّة استنساخ الفيروس لنفسه، كذلك فإنّ ثمّة عوامل بيئية مثل أشعة الشمس والأشعة فوق البنفسجية التي تستطيع أن تحدث تحوّرات في الطفرات، وكذلك يمكن لبعض المواد الكيميائية أن تؤدّي دوراً في ظهور هذه الطفرات”. ويؤكّد أنّ “أكثرية الطفرات حتى تاريخه كانت ضعيفة وليست ذات أهمية، بالتالي كانت إيجابية نوعاً ما، إذ كان ينتج منها فيروس أضعف من الذي سبقه. لكن ما نشهده أخيراً هو احتمال ظهور طفرات تملك سمّيّة أكبر وحديّة أكبر وطريقة انتشار أشمل، وهذا ما يدعو إلى الخوف في الوقت الحاضر. لذلك كلما سرّعنا في الانتصار على الجائحة ووقفها، فإنّنا نخفّف من خطر الطفرات”، مشدداً على أنّ “وقف الجائحة يُعَدّ أمراً طارئاً عالمياً”.

وفي ما يخصّ اللقاح المنتظر وفعاليته على الطفرات المستجدة، يوضح مخباط أنّ “الحالة المناعية قد تتأثر بالتحوّرات والطفرات الجينية. وكما نعلم فإنّه يتوجّب على اللقاحات أن تستخدم أحد أنواع الفيروسات أو مكوّنات من الفيروس، لذلك إذا تغيّرت هذه المكوّنات فإن المناعة تفقد فعاليّتها على المستجد، ما يعني أنّ اللقاح سيفقد فعاليته عندها، إذ إنّ كلّ طفرة تتطلّب لقاحاً خاصاً بها”.

اظهر المزيد

اترك تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى