الإمارات

50 عاماً على البث التلفزيوني في دبي

في مثل هذا اليوم، قبل خمسين عاماً بالتمام، وبالتحديد في التاسع من سبتمبر 1969، انطلق أول بث تلفزيوني في دبي، لتبدأ رحلة «دانة الدنيا» مع «الشاشة الفضية»، التي مثلت نافذة مفتوحة على جهتين؛ الأولى، نافذة لدبي نفسها على العالم، والأخرى، للعالم يطل منها على دبي.

وبتدشين هذه الإطلالة التلفزيونية، تكون دبي قد وقفت على أعتاب مرحلة جديدة من تاريخها، تصنعها رؤية جديدة مختلفة، تتمثل في رؤية وفكر صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة، رئيس مجلس الوزراء، حاكم دبي، رعاه الله، الذي اضطلع بأولى مهامه في العمل الوطني العام، في ذلك العام نفسه.

مفارقة مبشرة

كانت انطلاقة البث التلفزيوني في دبي، بمستوى ما، «مجرد» تطور «بسيط»، لكنه تطور أحدث نقلة بالغة الأثر، واسعة التأثير، وغاية في الأهمية؛ وهي شيء تعبر عنه كلمات رائد الفضاء الأمريكي نيل آرمسترونغ، حينما رسم خطوته الأولى على سطح القمر، حيث قال: «إنها خطوة بسيطة لإنسان، ولكنها قفزة عملاقة للبشرية».

من المفارقات المبشرة هنا، أن رحلة الهبوط على سطح القمر، التي نفذها مكوك «أبوللو 11»، وشهدت رسم أول خطوة للبشرية على سطحه، تمت في هذا العام نفسه، وتحديداً في 21 يوليو 1969. ومع ذلك، فقد كانت أحداث هذه الرحلة، من أهم ما قدمه البث التلفزيوني في «دانة الدنيا» لمتابعيه، لدى انطلاقه بعد أقل من شهرين على ذلك.

وما يبعث على التفاؤل هنا أن هذا الحدث «الأثيري»، المتمثل في انطلاق البث التلفزيوني في الإمارات و«دانة الدنيا»، الذي ارتبط في عام حدوثه برحلة «أبوللو 11» الفضائية الأهم في التاريخ، يتزامن اليوم، في يوبيله الذهبي، بعد خمسين عاماً، مع موعد رحلة أول رائد فضاء إماراتي، هزاع المنصوري، التي تحدد موعدها بتاريخ 25 سبتمبر الجاري.

وهذه المفارقة، تعيد التذكير بأن الثقافة في صلب كل إنجاز مهم، وتقف وراء كل خطوة خلاقة وقفزة عملاقة!

الانفتاح الكبير

إذا كان «التلفزيون» باعتباره إنجازاً تقنياً قد جاء لينافس أساليب الترفيه الفني التقليدية من دور مسرح وسينما، فإنه مثل كذلك طفرة كبيرة في عالم نقل الأخبار والاتصال في العالم، ما جعله يمثل تحدياً جدياً لمكانة الإذاعة وأجهزة الاتصال من هاتف وبرق وما شابه، من حيث قدرته على المواكبة والنقل وبث الإحساس بمعايشة الأحداث. وبالتالي، إضفاء قيمة كبيرة على فكرة العالم الواحد المتصل، تحت سماء مفتوحة على التواصل.

لهذا، بالذات كان التلفزيون والبث التلفزيوني، هو أشد ما تحتاجه دبي، التي بنت نموذجها الفريد على العوالم المتصلة، والأجواء المفتوحة.

وعليه، فليس من الغريب أن حكمة المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، التي أبصرت تحول مفاهيم «الاتصال والتواصل» من الحوار التبادلي البسيط القائم على «القول» و«الرد»، و«السؤال» و«الجواب»، الأمر المألوف في المفاوضات التجارية البديهية، إلى مستوى أعقد قائم على ترويج الأفكار وأنماط الحياة والحاجات قبل خلق السلعة والخدمة، قد قادته إلى خطوة سيكون لها من الأثر قدر ما كان لخطوات جريئة أخرى أقدم عليها في إنشاء بنى تحتية لا تزال ماثلة وعاملة لليوم.

وتجسدت هذه الخطوة، في عام مثل هذا قبل خمسين من الأعوام، حينما انطلق في «دانة الدنيا» ما سُمّي في حينه «تلفزيون الكويت من دبي»، بناء على طلب من المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، رحمه الله، بحضور الشيخ راشد، والشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت الحالي، وزير الخارجية وجنوب الخليج العربي حينها، والشيخ جابر العلي الصباح وزير الإرشاد والأنباء.

مناسبة وطنية

في الواقع، ليس هذا تاريخاً يوبيلياً متعلقاً بدبي فقط، ولكن بدولة الإمارات عموماً، إذ إن كان أول بث تلفزيوني إماراتي قد بدأ قبل ذلك بأسابيع قليلة، مع انطلاقة تلفزيون أبوظبي في السادس من أغسطس العام نفسه.

وكانت الإمارات قبل ذلك، على ما يذكر العارفون وأهل المجال، ومنهم الأستاذ علي عبيد الهاملي مدير مركز الأخبار في مؤسسة دبي للإعلام، تستقبل البث التلفزيوني من مدينة الظهران السعودية.

ويمكن للباحثين أن يدرسوا تأثير البث التلفزيوني على التنمية والحياة في دبي والإمارات، ولكن من المفروغ منه أن تاريخ بدء هذه الخدمة هو بدء تحول دبي والإمارات في اللحاق بنمط الحياة العصري، الذي انطلق في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وتحديداً عالم السبعينيات الرخية.

وعملياً، لقد جاء البث التلفزيوني، بما يمثله من أداة تواصل فعالة، ليقوم بدور ريادي في توطيد أركان دولة الاتحاد الفتية. ومما لا شك فيه أنه بقوة تأثيره، قد لعب دوراً مماثلاً في تهيئة الأرض للأفكار الجديدة، والرؤية المبتكرة، التي قدمتها قيادة محمد بن راشد، وجهوده في إعادة صياغة نموذج دبي وفق أبعاد عصرية جديدة.

دور ريادي

بدأ «تلفزيون الكويت من دبي» بثه بالأبيض والأسود. واستمر كذلك طوال مدة وجوده، وخلال هذا الوقت أداره طاقم إداري وفني من الكويتيين والإماراتيين والعرب، بقيادة الإعلامي الكويتي محمد المهنا. وكانت مدة البث اليومي أربع ساعات مسائية، ثم صارت ست ساعات، ومع قيام الاتحاد أصبح البث ثماني ساعات مسائية، وفي الفترة الصيفية كان هناك بث صباحي.

تذكر الأدبيات والمرويات ذات العلاقة أن مقر «تلفزيون الكويت من دبي» كان في منطقة القصيص؛ ولكن هذه ليست أهم معلومة في هذا السياق؛ إذ تؤكد هذه المرويات أن عدد العاملين في هذا التلفزيون وصل إلى 63 موظفاً، ثم زاد إلى الضعف بسرعة، وأن نسبة تسعين في المئة منهم كانوا من أبناء الإمارات، مع نسبة إنتاج محلي من البرامج تبلغ الربع، بينما يمثل الإنتاج الكويتي ربعاً آخر، وكانت النسبة المتبقية (وهي 50%) من البرامج العربية والأجنبية.

إن نسبة إنتاج محلي تبلغ الربع في ذلك الوقت هي نسبة متقدمة، بكل المعايير. أما نسبة تسعين بالمئة من العاملين، فهي نسبة ليست عالية فقط، بل استثنائية للغاية، وتثير الكثير من الأسئلة حول الأسباب التي قادت لاحقاً إلى ذلك التحول الدراماتيكي في إقبال أبناء الإمارات على المهنة الإعلامية في قطاع التلفزيون.

ليس لدينا مرويات وشهادات توضح هذا الأمر، ولكن يمكن الاستدلال بتاريخ هذا التحول وأحداث الزمان، لنميل إلى القول إن انعطافة العام 1979، التي شهدتها المنطقة، قد قادت إلى نتائج غير متوقعة، تركت ظلالها الرمادية على الحياة إلى وقت طويل وزمن متأخر.

وفي الواقع، رغم كل ما شهدته المنطقة من أحداث وتحولات، فإن «تلفزيون دبي»، قام بدور ريادي في قيادة التوجه نحو التحديث واللحاق بركاب العصرنة، وإشاعة أنماط حياة حديثة، الأمر الذي ظهر في الدور الذي لعبه «التلفزيون» في إسناد التوجه العام نحو التعليم، وتمكين المرأة، وإثراء الحياة الثقافية والفنية، وإعلاء قيم العمل، والاحتفاء بالابتكار، وغير ذلك.

مسؤولية أخوية

وقع على الإدارة الأولى لـ«تلفزيون الكويت من دبي»، التي مثلت الأخوة الإماراتية الكويتية، مسؤولية جسيمة متعددة الأوجه، ومن ذلك الجهد العظيم المبذول لتجهيز المحطة بالمعدات والأجهزة، ثم تشغيل المحطة ورفدها بالمواد التلفزيونية.

والأهم، اختيار وتدريب فريق عمل إماراتي لتشغيل «تلفزيون الكويت من دبي». وقد شكل «التلفزيون» منصة لظهور إعلاميين إماراتيين رواد من مثل: أحمد قاسم العلي، وسعيد الغيث، وحصة العسيلي.

وقد أفلحت تلك الإدارة بأداء مهمتها؛ ففي مساء يوم الثاني من ديسمبر 1971، الذي أعلن في صبيحته بقصر دبي للضيافة قيام دولة الإمارات العربية المتحدة، تم افتتاح بث المحطة التلفزيونية المعروفة للجميع باسم «تلفزيون الكويت من دبي»، بالنشيد الوطني وعلم دولة الإمارات، وباسم «تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من دبي».

وبهذا أتم «تلفزيون الكويت من دبي» سنتين ونصف السنة من عمله باسمه هذا، ليواصل دوره سبع سنوات ونصف أخرى، باسمه الجديد: «تلفزيون الإمارات العربية المتحدة من دبي»، حيث دخل مرحلة جديدة من عمره، الذي وصل غايته في العام 1979، ولكنه كان قبل ذلك بسنوات قد أرسى أرضية موضوعية لنشوء تلفزيون دبي.

قاعدة موضوعية

استمر البث التلفزيوني في الإمارات بـ«الأبيض والأسود» حتى 4 ديسمبر 1974 حينما أصبح تلفزيون أبوظبي ملوناً، وتحول اسمه إلى تلفزيون «الإمارات العربية المتحدة من أبوظبي».

أما «تلفزيون دبي»، فله قصة أخرى لا تختلف في مواعيدها، ولكن لها حيثياتها الهامة؛ ففي تلك الأثناء، كانت دبي قد قطعت خطوات جبارة، سيبقى أثرها وحجمها كبيراً إلى اليوم، وهي ما قاد المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم إلى أن يتنبه بفطنته إلى أنه ما لم يعرف العالم ما لديه فكأن ليس لديه شيء.

هذه القناعة، قادت المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم إلى استئناف اهتمامه بتأسيس المؤسسات الإعلامية، الذي كان بدأه بتأسيس «أخبار دبي» في الستينيات، وراكم عليه بتجربة «تلفزيون الكويت من دبي»، فزاد بتأسيس الإذاعات، ثم في العام 1973 قرر إنشاء «تلفزيون دبي»، الذي انطلق بثه الملون بعد سنة تماماً، وتحديداً في الأول سبتمبر عام 1974، غير أنه افتتح رسمياً في 1 ديسمبر 1974 أثناء الاحتفالات بذكرى اليوم الوطني الثالث للاتحاد.

قصة مثيرة

رحلة البث التلفزيوني، التي بلغت يوبيلها الذهبي، كانت فصلاً متواصلاً من القصة الإماراتية، وواحدة من اللحظات الملهمة في سيرة المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، فقد قادت هذه التجربة إلى تلفزيون دبي الذي اضطلع بأول وأهم الأدوار في تسويق «دانة الدنيا» عربياً ووضع الإمارة أمام عدسات كاميرات التلفزة الأجنبية.

وفي المستوى نفسه، استجاب «تلفزيون دبي» بكفاءة لأفكار ومبادرات المغفور له الشيخ راشد بن سعيد المستقبلية الطموحة، وواكب بجدارة تحقيق رؤية محمد بن راشد الجريئة، التي صنعت نهضة دبي المعاصرة.

وبكلمات أكثر تحديداً تجب الإشارة إلى أن البث التلفزيوني، الذي هو الأب الروحي لتلفزيون دبي، يبلغ يوبيله الذهبي في العام نفسه الذي يسجل فيه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم خمسين عاماً في الخدمة العامة وتحمل المسؤوليات الوطنية. وكل هذا يقود إلى فكرة رئيسية؛ لقد كان الإعلام مساهماً في نهضة دبي، وتوأم رؤية محمد بن راشد، وجزءاً أصيلاً في التجربة الإماراتية.

يوبيلاً سعيداً «تلفزيون دبي».

يوبيلاً سعيداً «تلفزيون أبوظبي».

يوبيلاً سعيداً لكل محطات التلفزة، ووسائل الإعلام الإماراتية.

حصة العسيلي

تعد حصة العسيلي إحدى الرائدات ومن طليعة المتعلمات في الدولة. بدأت حياتها المهنية في إذاعة صوت الساحل، ومن ثم مذيعة في «تلفزيون الكويت من دبي». ولقبت بـ «أم الإعلام»، وهو لقب تفتخر وتعتز به كثيراً، كونه يعبر عن دورها الذي اضطلعت به في الريادة الإعلامية.

المصدر
البيان
الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقك

زر الذهاب إلى الأعلى